محمد بن جرير الطبري

143

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والمتبين متثبت ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فمصيب صواب القراءة في ذلك . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين والكوفيين " السلم " بغير ألف ، بمعني الاستسلام ، وقرأه بعض الكوفيين والبصريين : السَّلامَ بألف ، بمعنى التحية . والصواب من القراءة في ذلك عندنا : " لمن ألقي إليكم السلم " بمعنى : من استسلم لكم مذعنا لله بالتوحيد مقرا لكم بملتكم . وإنما اخترنا ذلك لاختلاف الرواية في ذلك ، فمن راو روى أنه استسلم بأن شهد شهادة الحق وقال : إني مسلم ؛ ومن راو روى أنه قال : السلام عليكم ، فحياهم تحية الإسلام ، ومن راو روى أنه كان مسلما بإسلام قد تقدم منه قبل قتلهم إياه . وكل هذه المعاني يجمعها السلم ، لأن المسلم مستسلم ، والمحيي بتحية الإسلام مستسلم ، والمتشهد شهادة الحق مستسلم لأهل الإسلام ، فمعنى السلم جامع جميع المعاني التي رويت في أمر المقتول الذي نزلت في شأنه هذه الآية ، وليس كذلك في السلام ، لأن السلام لا وجه له في هذا الموضع إلا التحية ، فلذلك وصفنا السلم بالصواب . واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فقال بعضهم : معناه : كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقي إليكم السلام مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم ، كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم منهم ، فمن الله عليكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن كثير ، عن سعيد بن جبير في قوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تكتمون إيمانكم في المشركين . قال آخرون : معنى ذلك : كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألقي إليكم السلم كافرا كنتم كفارا ، فهداه كما هداكم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ كفارا مثله ، فَتَبَيَّنُوا . وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الأول ، وهو قول من قال : كذلك كنتم تخفون إيمانكم في قومكم من المشركين وأنتم مقيمين بين أظهرهم ، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيما بين أظهر قومه من المشركين ، مستخفيا بدينه منهم . وإنما قلنا هذا التأويل أولى بالصواب ، لأن الله عز ذكره إنما عاتب الذين قتلوه من أهل الإيمان بعد إلقائه إليهم السلام ، ولم يقد به قاتلوه للبس الذي كان دخل في أمره على قاتليه بمقامه بين أظهر قومه من المشركين ، وظنهم أنه ألقي السلام إلى المؤمنين تعوذا منهم ، ولم يعاتبهم على قتلهم إياه مشركا ، فيقال : كما كان كافرا كنتم كفارا ؛ بل لا وجه لذلك ، لأن الله جل ثناؤه لم يعاتب أحدا من خلقه على قتل محارب لله ولرسوله من أهل الشرك بعد إذنه له بقتله . واختلف أيضا أهل التأويل في تأويل قوله : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فقال بعضهم : معنى ذلك : فمن الله عليكم بإظهار دينه وإعزاز أهله ، حتى أظهروا الإسلام بعد ما كانوا يكتمونه من أهل الشرك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثني أبي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فأظهر الإسلام . وقال آخرون : معنى ذلك : فمن الله عليكم أيها القاتلون الذي ألقي إليكم السلام طلب عرض الحياة الدنيا بالتوبة من قتلكم إياه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول : تاب الله عليكم . وأولى التأويلين في ذلك بالصواب التأويل الذي ذكرته عن سعيد بن جبير ، لما ذكرنا من الدلالة على أن معنى قوله : كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما وصفنا قبل ، فالواجب أن يكون عقيب ذلك : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فرفع ما كنتم فيه من الخوف من أعدائكم عنكم بإظهار دينه وإعزاز